ابن أبي الحديد

158

شرح نهج البلاغة

إن قيل : لا تخلو الصحابة إما أن تكون عدلت عن الأفضل لعلة ومانع في الأفضل ، أو لا لمانع . فإن كان لا لمانع ، كان ذلك عقدا للمفضول بالهوى ، فيكون باطلا ، وأن كان لمانع - وهو ما تذكرونه من خوف الفتنة ، وكون الناس كانوا يبغضون عليا عليه السلام ويحسدونه - فقد كان يجب أن يعذرهم أمير المؤمنين عليه السلام في العدول عنه ، ويعلم أن العقد لغيره هو المصلحة للاسلام ، فكيف حسن منه أن يشكوهم بعد ذلك ، ويتوجد عليهم ! وأيضا ، فما معنى قوله : " فطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء " ، على ما تأولتم به كلامه ؟ فإن تارك الأولى لا يصال عليه بالحرب ! قيل : يجوز أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام لم يغلب على ظنه ما غلب على ظنون الصحابة من الشغب وثوران الفتنة ، والظنون تختلف باختلاف الامارات ، فرب إنسان يغلب على ظنه أمر يغلب على ظن غيره خلافه . وأما قوله : " أرتئي بين أن أصول " ، فيجوز أن يكون لم يعن به صيال الحرب ، بل صيال الجدل والمناظرة ، يبين ذلك أنه لو كان جادلهم وأظهر ما في نفسه لهم ، فربما خصموه بأن يقولوا له : قد غلب على ظنوننا أن الفساد يعظم ويتفاقم إن وليت الامر ، ولا يجوز مع غلبة ظنوننا لذلك أن نسلم الامر إليك ، فهو عليه السلام قال : طفقت أرتئي بين أن أذكر لهم فضائلي عليهم ، وأحاجهم بها ، فيجيبوني بهذا الضرب من الجواب - الذي تصير حجتي به جذاء مقطوعة ، ولا قدرة لي على تشييدها ونصرتها - وبين أن أصبر على ما منيت به ، ودفعت إليه . إن قيل : إذا كان عليه السلام لم يغلب على ظنه وجود العلة والمانع فيه ، وقد استراب الصحابة وشكاهم لعدولهم عن الأفضل الذي لا علة فيه عنده فقد سلمتم أنه ظلم الصحابة ونسبهم إلى غصب حقه ، فما الفرق بين ذلك وبين أن يستظلمهم لمخالفة النص ؟ وكيف